أنت غير مسجل في منتـديــات يـمـن المحبـــــة . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا

                  
     
                        

 
العودة   منتـديــات يـمـن المحبـــــة > يمـــن المحبـــــة الإســـــلامي > يمـــن المحبـــــة الإســـلامي العــــام
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-12-27, 08:20 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


أيها الاخوة المؤمنون:

نظرا لأهمية الصلاة وأثرها البالغ في حياة المسلم في الدنيا ومصيره في الآخرة وواقع علاقته مع ربه سبحانه, فقد توعّد الله جاحدها وتاركها بالعقاب الشديد, فقال تعالى عن أهل النار:{ ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين}, وقال،{ فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون}.

فالاعراض عن الصلاة واهمال أدائها اعراض عن الله وعدم استجابة لمضمون قوله الحق { وما خلقت الجنّ والانس الا ليعبدون}.

ولا يخسر الانسان ويشقى في دنياه, ويخيب ويهلك في أخراه الا اذا أعرض عن مولاه.

واعلموا أيها الاخوة المؤمنون, أنّ لبّ الصلاة ومفتاح قبولها الخشوع, فاذا تجرّد منه المصلّي لم يتذوّق لذة الصلة بربّه, ولم يشعر بأثر الصلاة العميق في قلبه وفعاليّتها في توجيه جوارحه الى الخير والاستقامة.

ولقد كان الخشوع ديدن أسلافنا في صلاتهم حيث عاشوها صلاة صلة يؤدونها على هدي قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم:" الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك". فذكروا أنّ سيدنا عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما كان اذا صلّى تأتي الطير فتقف على كتفه ورأسه تظنّه جدارا قائما أو خشبة منصوبة. وذكروا أيضا أنّ سهما أصلب ساعد سيدنا علي رضي اللهعنه, فنزعه, وبقي النصل في داخل اللحم, فقالوا: يجب أن نشق في لحم الساعد شقا حتى نستخرج النصل, فقال: ( افعلوا ذلك اذا دخلت في الصلاة), فلما أخرجوا النصل, وضمّدوا جرحه وهو في الصلاة سألهم بعد أن أنهاها قائلا: (هل أخرجتم النصل؟).

انظروا أيها الاخوة:

كيف أنه رضي الله عنه لمّا دخل في صلاته لم يشعر بما حدث له في ساعده من جراحة وألم, لأنه كان يعيش في صلاته بلذة مناجاته لرب العالمين, قال تعالى:{ قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون }.

أيها الاخوة المؤمنون:

سابقوا الى حسن الصلة بربّكم, وأخلصوا في أدائها, وحققوا كامل خشوعها, لأنها قوّة روحيّة غامة تستمدّون بها من الله عزيمة صادقة في الثبات أمام المحن مهما اشتدّت, وفي معترك أزمات العيش مهما استعصت, وتطردون بها عن أنفسكم الهموم والأحزان, وتستجلبون الراحة لضمائركم, والطمأنينة لقلوبكم, والاستقامة لجوارحكم, وهذا ما فسّره قوله عليه الصلاة والسلام:" أرحنا بها يا بلال".

وانّ ما يصيب العالم من مصائب وبلايا, وما يثور فيها من شرور ومفاسد, تعصف, وتحطّم وتدمّر, لا يرد كيده عن العبد المؤمن الا بما يستعدّ به من قوّة روحيّة عالية, ولا شيء كالصلاة يحقق لهذا العبد تلك القوّة الروحيّة المنشودة, قال تعالى:{ انّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}.

اللهم اجعلنا من المصلّين, وثبّتنا على هدي الدين, واملأنا بنفحات القرب, وأكرمنا بمقام المخلصين.

والحمد لله رب العالمين.



فريضة الجمعة (مكانتها, أسرارها, أثرها)


الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر, وأشكره تعالى فهو الذي وعد المزيد لمن شكر. عباد الله, اتقوا الله فيما أمر, وانتهوا عمّا نهى عنه وزجر, وأخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم, فانّه اذا استولى أسر, وحافظوا على الطاعات وحضور الجمع والجماعات, واعلموا أن الله أمركم بأمر عميم, بدأ به بنفسه, وثنّى بملائكة قدسه, فقال تعالى ولم يزل قائلا حكيما, تشريفا لقدر نبيّه وتعظيما, وارشادا لنا وتعليما:{ ان الله وملائكته يصلون على النبي, يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما}. اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

أمّا بعد: فيا أيها الاخوة المؤمنون, يطيب لي أن أتحدّث اليكم في خطبتي هذه عن صلاة الجمعة, وما أودع الله فيها من أسراروحقائق.

لقد اختار الله تعالى لأداء فريضة الجمعة يوما من أشرف أيام الزمان وأكرمها عنده, انّه يوم الجمعة الذي جاء في حقه أنه خير يوم طلعت فيه الشمس, وهو سيّد الأيام وأعظمها: فيه خلق آدم, وفيه أهبط الى الأرض, وفيه مات, وفيه ساعة الاجابة, وفيه قيام الساعة, وهو يوم عيد للمسلمين. ومتب الله تلك الفريضة على كلّ مسلم بالغ عاقل الا عبدا مملوكا أو امرأة أو صبيّا أو مريضا أو مسافرا. وشرع الله تعالى لفريضة الجمعة ألاتؤدّى الا في جماعة حتى تتحقق الأهداف السامية والآثار الطيّبة التي تفيض منها في حياة الأمة عندما يشهدها المسلمون في كل اسبوع على صعيد كل مدينة, وكل قرية, وكل حي, وكل تجمّع لهم.

ولقد أوضح الرسول عليه الصلاة والسلام أهميّتها في حياة المسلمين فبيّن أنها ذروة العبادات التي أناط الله تعالى بها أمورا جليلة وآثارا عظيمة وخيرات كثيرة تستقيم بمقتضاها حياة الأمّة المسلمة قتلتقي في فكرها وسلوكها وعواطفها ومعتقداتها في ظل منهج الله تبارك وتعالى.

أيّها الاخوة المؤمنون:

انطلاقا من هذه المكانة العالية التي احتلّتها فريضة الجمعة في دين الله عز وجل حذر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عاقبة التساهل بها والتخلّف عن أدائها فقال:" من ترك ثلاث جمعات تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه". وأمر المسلم أن يتهيّأ لفريضة الجمعة, فجعل الاستعداد لها من أجل الطاعات وأرقى العبادات, حيث دعا الى الاغتسال لها والتطيّب والتجمّل في الملبس والمظهر حال حضورها, فقال فيما رواه الامام أحمد من حديث كعب بن مالك عن أبي أيّوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول:" من اغتسل يوم الجمعة ومسّ من طيب أهله ان كان عنده, ولبس من أحسن ثيابه, ثم خرج يأتي المسجد, فيركع ان بدا له, ولم يؤذ أحدا, ثم أنصت اذا خرج امامه حتى يصلّي, كانت كفّارة لما بينهما وبين الجمعة الأخرى".

وأعطى توجيهه للمسلم في مضمارها أن يتجرّد تجرّدا كاملا من الدنيا, وينخلع قلبه من شواغل المعاش جواذب الأرض, ليخلو بالله تعالى, وينصرف الى طاعته من أعماقه, عندها لا يفكّر وهو يجلس في خطبة الجمعة الا بما يسمع من ذكر الله تعالى وآياته التي تتلى, وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم التي تروى, وأخبار الأسلاف والصالحين, والأفكار والحكم والمواعظ التي تشحذ الهمّةفي الطاعة, وتترقى به في العبادة, وتزكّي عقله بالمعرفة, وتنير قلبه بالهداية.

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد احتلّت فريضة الجمعة في مضمار الدعوة الى الله عز وجلّ منزلة أصبحت فيها عمادا من أهم أعمدة الدين, فهي صوت الاسلام الهادر في آفاق المسلمين الذي يقرع أسماعهم في كل أسبوع بمواعظه البليغة, فيوقظ عقولهم, وينبّه ضمائرهم, ويزكّي نفوسهم, وينير عقولهم, وذلك لما حفلت به هذه الفريضة العظيمة من معان روحيّة غامرة, وتوجيهات تربوية كريمة, وبواعث فكرية رائعة, ومناهج تنظيميّة بديعة تجلّى ذلك في صلاتها, وتجمّع المسلمين في مكان أدائها وفي انصاتهم لخطبة خطيبها.

وكأني بخطبة الجمعة تتجمّع فيها قوة التأثير العظمى بالنسبة لسائر جوانب تلك الفريضة, لأنها لسان الموعظة الاسلامية الصريح والمضمار الذي تتدفّق عبره الأفكار والمفاهيم والتصوّرات والمعتقدات التي تتعلّق بمختلف جوانب حياة المسلم, وتتناول شتّى أطوار عيشه وظروف وجوده, وتناقشها على ضوء المنهج الاسلامي القويم نقاشا تصرف فيه العلاجات المناسبة, وتوضع الحلول الصحيحة والأجوبة الصائبة لجميع قضايا المسلمين التي تجدّ في حياتهم, وتظهر على مسرح وجودهم. في مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية والدينيّة, وبهذا تكون صلاة الجمعة بخطبتها مؤتمرا دوريا أسبوعيا, يلتقي فيه المسلمون, يعرضون فيه قضاياهم على مائدة الاسلام ليصدروا عنها برأي واحد, وفكر واحد, ونتائج واحدة تنبثق من مشكاة القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وكم يحتاج المسلمون اليوم ازاء ما يمرّون به من ظروف قاسية وشدائد ومحن أن يلجو ذلك الحصن المنيع, ثم يصدروا عنه أشدّاء أقوياء مشحوذة عزائمهم أبيّة نفوسهم, متفقة مقاصدهم, متحدة أهدافهم, متألّقة آمالهم, يشكّلون من أنفسهم قوة صامدة, تتحطّم أمام صلابتها مقاصد أعدائهم ونوايا خصومهم. فعندما تذكّرهم منابر الجمعة مأساة المسجد الأقصى وما فعله اليهود الغاصبون من تذبيح وتقتيل للمصلّين في رحابه الطاهرة, يهز هذا التذكير مشاعرهم, ويؤجج بركان الغضب في أعماقهم, فيستحيلون في وجه المستعمر الغاصب والعدو الغادر حمما ثائرة لا تبقي ولا تذر.

وعندما تذكّرهم منابر الجمعة نضال المجاهدين من أبناء فلسطين الذين يتصدّون بحجارة ابائهم لرصاص غدر عدوّهم, فيتساقطون على أرض فلسطين يروون ترابها بدمائهم التي تحكي كل قطرة منها قصّة نضال شعب رفض أبناؤه الذل والهوان والضعف والاستسلام, فيحس المسلمون بواجبهم المقدّس في الوقوف الى جانب اخوانهم في فلسطين وقوفا يترجم التلاحم والتضامن الذي صاغتهم على أساسه رسالة التوحيد, حيث قال تعالى:{ واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا, واذكروا نعمت الله عليكم اذ كنتم أعداءا فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا}.

فتنبّهوا أيها المسلمون الى هذه الحقيقة, وانطلقوا نحو العناية بفريضة الجمعة في همّة قعساء وعزيمة صادقة, تفلحوا, وتنجحوا. {انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.

والحمد لله رب العالمين.

يتبع



قديم 06-12-27, 08:23 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


من شعبان الى رمضان


الحمد لله حمدا يليق بجنابه الكريم, والشكر لله على نعمائه وفضله العميم, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في قرآنه العظيم:{ وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الرؤوف الرحيم. اللهم صلّ سلّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم ومن تبعهم باحسان على هدي الصراط المستقيم.

أمّا بعد: فيا عباد الله, اتقوا الله حق تقواه, واذكروا قوله فيما أنزله على قلب نبيّه ومصطفاه:{ يا أيها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتقون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ها نحن نعيش في الأيام الأخيرة من شعبان الذي جعله الله معبرة النور الى رحاب شهر رمضان المبارك.

فجدير بنا في غضون ما تبقى من هذا الشهر الكريم أن نعدّ أنفسنا لاستقبال أنوار الهداية في رمضان, ونوطّنها لاستنشاق عبق نفحات الايمان في أرجاء أيامه ولياليه المباركات, وذلك بالانعتاق من اسار الشهوات والملذات, والتخلّص من جواذب الأرض ومغريات الدنيا وماديّات الحياة, والانطلاق الى الله سبحانه بقلوب راغبة راهبة, وأعماق صالحة صادقة, وضمائر حيّة نظيفة, ومشاعر سامية نظيفة, ونوايا طيّبة طاهرة, مؤثرين الآخرة على الدنيا, معلنين ولاءنا لربنا سبحانه على هدي قوله الحق:{ انّ وليي الله الذي نزّل الكتاب, وهو يتولّى الصالحين}, وبالاستبشار بقوله:{ آلا انّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتقون}.

آن لنا أيها الاخوة المؤمنون أن نصرف قلوبنا عن تجارة الدنيا الخاسرة ونوجهها الى التجارة الرابحة, انها تجارة الآخرة التي دعانا اليها ربّنا سبحانه وتعالى, فقال:{ يا أيها الذين ءامنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم, ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون* يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيّبة في جنّات عدن, ذلك الفوز العظيم}.

فمن كان له سعي حثيث في مضمار الدنيا لغايات مادّية كثيرة بذل في سبيلها الأفكار والجهود والأوقات التي يجب عليه أن يفكّر في نتائج هذا المسعى قبل أن يبالغ فيه, ويغرق في ظلماته الآثمة, فيكون من الهالكين, لأن الدنيا لا تثمر من واقع أهلها خيرا, ولا تمنحهم سعادة, وانما تخلّف في حياة المتهالكين عليها اللاهثين خلف زينتها الفانية الهموم والغموم, والآلام والأحزان, والقلق والاضطراب, والكتئاب والعذاب, والتمزق والضياع, والتحاسد والباغض, والتقاتل والدمار.

وانّ نظرة في واقع المجتمعات المادية الحديثة تكشف لنا النقاب عن هذه الحقيقة المؤلمة, اذا تحدّتنا تقارير تلك المجتمعات عن ارتفاع نسبة الأمراض العقليّة وفي قمّتها الشيزوفرانيا, وارتفاع نسبة جرائم القتل والسرقة والانتحار وانتشار المخدرات والرذيلة والأمراض الخطيرة وفساد البيوت وتفكك الأسر, وانحطاط الأخلاق الى حد تشمئز منه النفوس الخبيثة فضلا عن الصالحة, لذلك لك تستحق الدنيا من المصير يوم القيامة الا أ، تقذف في النار, وهذا ما نقله الينا سيدنا عبدالله بن عباس ترجمان القرآن حيث قال: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية مشوّه خلقها, فتشرف على الخلق, فيقال: هل تعرفون هذه, فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه, فيقال: هذه هي الدنيا التي تشاجرتم عليها, وبها تقاطعتم الأرحام, وبها تحاسدتم وتباغضتم واغترركم, ثم تقذف في جهنّم, فتقول: يا رب, أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها. مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي.

أيها الاخوة المؤمنون:

بموجب هذه الحقيقة ينبغي أن نقتصر من الدنيا وماديّاتها وشهواتها على ما يمكّننا من متابعة سيرنا الى الآخرة التى قال عنها سبحانه:{ والآخرة خير وأبقى}, وانما يتحقق ذلك باغتنامنا فرص الاقبال على الله سبحانه وتعالى والانصراف الى سوق الآخرة التي يتسع نطاقها في مواسم العبادة والطاعة.

ولقد كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلّم أسوة حسنة, وهو يقبل على الله رب العالمين في صلاته وذكره ودعائه, بل كانت حياته الشريفة كلها اقبالا على الله تعالى الذي أنزل عليه قوله:{ واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين}, وقوله:{ وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}, وقوله:{ يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون}.

فأعلن عليه الصلاة والسلام واقع العبوديّة المطلقة لربّه سبحانه في ليله ونهاره عبر قيامه وصيامه وجهاده في سبيل الله ودعوته اليه وبذله وعطائه ابتغاء وجه ربّه الأعلى الذي خاطبه بقوله:{ ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاما محمودا}, فكان يقوم الليل حتى تتورّم قدماه, وكان اذا قيل له: لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ أجاب:" أفلا أكون عبدا شكورا".

وكان من مظاهر حرصه على صادق الصلة بمولاه سبحانه أن تخفف من أثقال المادة والشهوات, فاكتفى بأبسط مظاهر العيش, وهو يقول:" مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا الا كراكب استظلّ تحت شجرة ثم راج وتركها".

وكان كثير الخشية من الله, فاذا سجد, بلّ الأرض بدموعه, وسمع لجوفه أزيز كأزيز المرجل من خشية الله, وكان يحذر أصحابه من خطر الدنيا فيقول:" ما الفقر أخشى أخشى عليكم؟ ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم, فتنافسوها كما تنافسوها, وتهلككم كما أهلكتهم".

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد استمد المسلمون الأوائل من واقع حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم التفسير الواقعي لمنهج العبوديّة الخالصة لرب العالمين, وذلك عندما حرّروا قلوبهم من أغلال حبّ الدنيا والتعلّق بشهواتها الفانية, فاستوى في نظرهم ذهبها ومدرها, وجعلوا الآخرة ومرضاة رب العالمين أكبر همّهم ومبلغ علمهم, فقاموا الليل مجسّدين معنى قوله تعالى:{ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}, وأنفقوا في سبيل الله متمثلين هدي قوله تعالى:{ ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا}, وجاهدوا في سبيل الله ورائدهم في ذلك قوله سبحانه:{ انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله}.

أيها الاخوة المؤمنون:

هلمّوا الى عز الدنيا وسعادة الآخرة في ظلّ توبة نصوح واغتنام لما تبقى من الأعمار في طاعة الغفار, وحسن عبادته في الليل والنهار, واذكروا المصير والحساب والجزاء, واعملوا ليوم لا يتفع فيه مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم, واجعلوا عظتكم بقوله سبحانه:{ واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.

وفقني الله وايّاكم الى حسن الاستماع واخلاص العمل.

والحمد لله رب العالمين.

يتبع



قديم 06-12-27, 08:26 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


استقبال شهر الصيام


الحمد لله الكريم الوهّاب, والشكر لله على ما تفضل علينا من مواسم الخير وفرص الأجر والثواب, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في محكم الكتاب:{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان}, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله رفيع القدر والجناب. اللهم صل وسلّم وبارك على نبيّنا محمد وعلى آله وسائر الأصحاب.

أمّا بعد: فيا معشر المؤمنين, اتقوا الله, واستقيموا على هداه, والزموا سبيل طاعته حيث قال جلّ في علاه:{ وما خلقت الجنّ والانس الا ليعبدون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ها هو رمضان يطل علينا من جيد بغرّته المشرقة, وطلعته المنيرة, ويعود الينا بعد انصرام عام كامل, باتت فيه قلوب المؤمنين تعالج لهيب شدّة الشوق الى لقاء شهر الصوم.

فمرحبا بك يا رمضان حيث تنزل في ساحة حياتنا في هذا العام تحمل الينا من ربنا الكريم أسمى النفحات, وأكرم التجلّيات, وسابغ البركات, وواسع الرحمات. فطوبى للمسلمين في استقبالك, وطوبى للمسلمين بنفحاتك واشراقاتك. فأنت خير الشهور, وأيّامك أعظم الأيام, ولياليك أبرك ليالي الزمان, كيف لا, وأنت شهر القرآن الذي أنزل فيك هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان. فقال فيك سبحانه:{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان}.

كيف لا, وأنت تحمل بين جنبيك للانسانية أفضل وأبرك ليالي العمر, انها ليلة القدر التي قال فيها الله عز وجل:{ ليلة القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم من كل أمر * سلام هي حتى مطلع الفجر}, كيف لا, وأنت موسم التجديد والبناء, حيث تعيد بناء النفس الانسانية من جديد بعد أن هدمت الدنيا أركانها, وزعزعت بناءها, وقوّضت المادة كيانها. تعيد بناءها من جديد عندما تردّ الفطرة الانسانية الى أصلها الطيّب, وصفائها النيّر, عندما تعرّف الانسان حقيقة وجوده في هذه الحياة, حيث تثع في أرجاء أيامك ولياليك أنوار الهداية, وتهبّ على القلب الانساني نفحات الايمان, فيستيقظ من رقاده, ويصحو من غفلته, وينتبه من شروده, فينطلق في سبيل طاعة الله رافعا لواء العبوديّة لربّ العالمين, معرضا عن زخارف الدنيا ومفاتن الحياة, مستقبلا رضوان الله نعالى في ظلال قيام الليل وأفياء صوم النهار.

أجل يا رمضان, فيك يولد الانسان من جديد طاهر النفس, طيّب القلب, نقيّ السريرة, سامي الروح. وفيك ينكشف الستار عن حقيقة تسطع في القلوب والعقول كالشمس في رابعة النهار, تقول: انّك شهر الاصلاح العام.

ولقد حق لك أن يقول فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم" أتاكم رمضان شهر بركة, يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة, ويحطّ الخطايا, ويستجيب الله فيه الدعاء, ينر الله فيه الى تنافسكم, ويباهي بكم ملائكته, فأروا الله من أنفسكم خيرا, فانّ الشقي من حرم من رحمة الله عز وجل".

وانّك يا رمضان, شهر الصحوة الكبرى, حيث يستيقظ فيك السادرون, ويتنبّه الغافلون, فتتفتح أبواب الجنة بتفتح أبواب الخير, وتنغلق أبواب النار بانغلاق أبواب الشر, كما قال فيك سيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام:
" اذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان صفّدت الشياطين ومردة الجان وغلّقت أبواب النار, فلم يفتح منها باب, وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب, وينادي منادي يا باغب الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر, ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة".

فما أجلّ خصالك, يا رمضان, وما أعظم مآثرك, فأنت موسم البر والاحسان, حيث تتدفق أيدي المؤمنين بالعطاء, وتجود نفوسهم بالسخاء, فتتآلف قلوب الأغنياء مع الفقراء, وتتآزر زنود الأقوياء مع الضعفاء, وينتشر الحب والوئام, ويضمحل البغض والخصام, وتستطع في آفاق الصائمين أنوار الفضيلة ومحاسن الأخلاق, وتتلاشى ظلمات الرديلة ومساوئ الأخلاق, فاذا بشفاه المؤمنين تستعذب الكلمة الطيّبة والبسمة الصادقة, واذا بقلوبهم تهفو الى مواقع المعروف والعمل الصالح, وبنفوسهم تأنس الى الخير والبر والاحسان, وبجوارحهم تسعى في سبيل الطاعة, وتتحرّك في نطاق الفضيلة, حيث يراقب الصائم كل كلمة يقولها, وكل نظرة ينظرها, وكل تصرّف يتصرّفه, وكل فكرة يفكّر بها, وكل خفقة قلب يخفقها, وكل احساس وشعور ينبض في أعماقه, يحرص على أن يحظى بالعفو والغفران, والقبول والرضوان, لأنه يعتقد أن رمضان موسم الصلح الخالص مع الله رب العالمين, وموعد الرجعة الصادقة اليه, فيعمل على أن يكون قريبا من ربه حبيبا الى خالقه, ولا يحظى بمقام القرب ومنزل الحب الا من سعى في مضمارهما, وسار في طريقهما, وهذا ما أشار اليه رب العالمين كما أخبر سيّد المرسلين في الحديث القدسي قال الله عز وجل:" وما يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل حتى أحبه, فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينّه, وان استعاذني لأعيذنّه".

هذا يا رمضان غيض من فيض منائحك, وبرض من عدّ محاسنك. ولا يسعني في نهاية المطاف الا أن أٌقول: أيها الاخوة المؤمنون, اغتنموا فرصة شهر الصيام, وأكرموا وفادته عليكم, وأروا ربّكم من أنفسكم خيرا, وتمثلوا قوله الحق في وصفه عباده المخلصين {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.




رمضان شهر القرآن



الحمد لله الاله الواحد, والشكر له سبحانه على ما أنعم وأوجد, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في محكم تنزيله الممجّد:{ وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا, كا كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلنه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا, وانّك لتهدي الى صراط مستقيم}. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الكريم الأمجد. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ما شدا طائر وغرّد.

أما بعد فيا معشر المؤمنين, أوصيكم ونفسي المخطئة بتقوى الرحمن, وأحثكم على العمل بمقتضى هدي القرآن, والسير على سنّة النبي العدنان.

أيها الاخوة المؤمنين:

ان من أجلّ وأكرم ما اختصّ به الله شهر رمضان المبارك أن جعله موعد افتتاح طريق الرسالة الاسلامية بين السماء والأرض, حيث تنزلت فيه أولى قطرات غيث الوحي الالهي على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال سبحانه:{ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان}.

فالقرآن الكريم هو عطاء الله الخالد في شهر رمضان, وانّ خيرا ما يقضي به المسلمون أيّام هذا الشهر المبارك ولياليه أن يعيشوا في رحاب القرآن الكريم, وأن يصطبغوا في أقوالهم وأفعالهم بصبغته الطاهرة المقدّسة متأسّين بأكرم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم الذي حدّثنا عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أنه كان يأتيه جبريل في رمضان فيتدارسان القرآن. وجدير بنا نحن المسلمين في ظل موعظة شهر رمضان أن نلتقي القرآن لقاء تذكرة وايمان وعهد واستقامة وعرفان, ونحن نسمع القرآن الكريم يحدّثنا عن نفسه فيقول سبحانه:{ الر, كتاب أنزلناه اليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربّهم الى صراط العزيز الحميد}, ويقول:{ انّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.

أيها الاخوة المؤمنون:

انّ الحديث عن القرآن الكريم حديث يطيب سماعه, ويعذب تناوله, وتشرق في القلب حلاوته, وتسمو بالروح قداسته, لأنّه حديث عن كلام الله المبين الذي أنارت معارفه العقول, وأرشدت هدايته القلوب, وطهّرت قداسته النفوس, وقوّمت مواعظه السلوك, وأرهفت معانيه المشاعر, وأشفّت نفحاته الأرواح.

فهو دستور الحق, ودستور العدل, ودستور العزة, ودستور الفلاح والسعادة, ودستور العلم والهداية, الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقوله:" هو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسنة, ولا تشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الردّ, ولا تنقضي عجائبه, وهو الذي لم تنته الجنّ اذ سمعته حتى قالوا:{ انا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي الى الرشد فآمنا به}, ومن قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا اليه هدي الى صراط مستقيم".

أيا الاخوة المؤمنون:

لقد كان القرآن الكريم قوّة الكلمة الخالدة المؤثرة التي قلبت الموازين وغيّرت المفاهيم, فحطمت أعراف الجاهلية, ودمّرت صرح الكفر, وزلزلت كيان الباطل, وأيقظت العقول السادرة ونبّهت القلوب الغافلة, وأحيت الضمائر الميتة, وأقامت الانسان على صراط الحقيقة.

وعندما انطلق به رسول الله يقرؤه على الناس داعيا اياهم الى هديه المبين, لم يكن من بلغائهم وعظمائهم وصناديدهم الا أن تطامنوا أمام قوة تأثيره, وخضعوا لسلطان عظمته, ودونك منهم الوليد بن المغيرة المخزومي الذي لما سمعه من رسول الله عاد الى المشركين ليقول لهم:" سمعت من محمد آنفا كلاما ليس بكلام بشر والله, وان عليه لطلاوة, وان له لحلاوة, وان أعلاه لمثمر, وان أسفله لمغدق, وانه ليعلو ولا يعلى عليه".

ودونك منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه, لما دخل على أخته فاطمة وختنه سعيد بن زيد ليؤدبهما بسبب دخولهما في الاسلام, فرأى صحيفة القرآن في يد اخته فلما أصبحت في يده, وقرأ فيها قوله تعالى:{ بسم الله الرحمن الرحيم * طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * الا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى * الرحمن على العرش استوى}, تطامن أمام عظمة كلام الله الحق, وخارت قواه, وسكن غضبه, وقال بلطف العبد الذي هدى الله قلبه للاسلام:" دلّوني على محمد", فكانت نهاية قسوة قلب أظلمته الجاهلية, وبداية رحمة قلب أشرق بنور الاسلام.

وهكذا استطاع القرآن أن يفتح مغاليق القلوب, فيبدّد عنها طلام الكفر, ويقلب واقع الانسانظهرا لبطن ليصبح انسانا آخر كأنما خلق من جديد, قال تعالى:{ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية الله}.

وتحت راية القرآن تكوّنت خير أمة أخرجت للناس, وعلى مائدته المقدّسة تربّى الجيل الاسلامي الأوّل, حيث انطلق يقرأ القرآ، بلسانه تلذذا, وبعقله تدبّرا, وبمشاعره تأثرا, وبقلبه اهتداء, وبجوارحه تطبيقا, فكان واقع حالهم مع القرآن كما قال سبحانه:{ انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكّلون}, فكان الواحد منهم اذا مرّ بآية فيها ذكر الجنّة بكى شوقا اليها, واذا مرّ بآية فيها ذكر النار شهق شهقة وكأن زفير جهنّم في أذنيه.

أيها الاخوة المؤمنون:

أقبلوا على كتاب ربّكم في هذا الموسم العظيم, واستكثروا من تلاوته آناء الليل وأطراف النهار, وبادروا الى العمل بهديه وتطبيق أحكامه وآدابه, فهو حجة لمن عمل به وحجة على من أعرض عنه اذ قال عليه الصلاة والسلام:" والقرآن حجة لك أو عليك".

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله ربّ العالمين.

يتبع



قديم 06-12-27, 08:29 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


رمضان شهر التوبة والغفران


الحمد لله صاحب العفو والغفران, والشكر له سبحانه على ما أفاض على عباده من قلائد الجود والعرفان, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في محكم تنزيله:{ وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين}, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الى آخر الزمان. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وتابعيهم ومن تبعهم بصدق واحسان.

أما بعد: فيا معشر المؤمنين, أوصيكم بتقوى الله تعالى فهي السبيل الى نعيم الجنان, فلقد قال ربنا عز وجل:{ انّ المتقين في جنات ونعيم}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ها نحن نعيش في رحاب العشر الثاني من رمضان الذي يتسامى فيه قوله تعالى:{ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله, ان الله يغفر الذنوب جميعا}.

أجل ايها المؤمنون:

انه عشر المغفرة الذي يحمل بين جوانحه نفحات عفو الله سبحانه عن عباده المسيئين ومغفرته لذنوب عباده المذنبين. اذا ما أقبلوا عليه معترفين بتقصيرهم, مقرّين بذنوبهم, معتذرين تائبين مستغفرين.. ولا شيء مالذنب يوبق الانسان ويشقيه في الدنيا والآخرة, لأنه يفقد بارتكابه نور الهداية, فيظلم قلبه, ويضلّ في الحياة, ويتخبّط في ظلمات الغفلة عن الله, ويرتكس في حمأة العصيان.

وحسبنا أن نقرأ كتاب الله وهو يحدثنا عن واقع العصاة المذنبين الذين أسرفوا في الشهوات, واستمرؤوا التمرّغ في أوحال الآثام والانغماس في الشرور والخطايا الى الأذقان, فسوف نجد القرآن الكريم يحدّثنا عن تخبطهم وشقائهم والظلمات التي تحيط بهم, وهم فيها غارقون, فيقول سبحانه في ذلك:{ ومن أعرض عن ذكري فانّ له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا* قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتنا وكذلك اليوم تنسى}.

وجاء في الحديث: قال عليه الصلاة والسلام:" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا, فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء, وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء, حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا لا تضرّه الفتنة ما دامت السموات والأرض, والآخر أسود مربدّا كالكوز مجخيّا, لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا, الا ما أشرب من هواه".

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطر الذنوب وسوء عاقبة التهاون في ارتكابها فقال:" ايّاكم ومحقرات الذنوب فانهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه".

ولا ينزل البلاء, وتنتشر المجاعات, وتقلّ الأرزاق, وتكثر الهزائم, وتشيع الأمراض, وتدبّ الفرقة في الأمة الا بارتكاب الذنوب وفعل المعاصي, وهذ ما أخبرنا عنه القرآن الكريم حيث قال تعالى:{ واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمّرناها تدميرا}.

كما أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" ان الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" وبقوله:" لا تصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها الا بذنب, وما يعفو الله عنه كثير", وقرأ:{ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير}.

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد توقّى أسلافنا الصالحون ارتكاب الذنوب, وتجنّبوا مخاطر الوقوع في المعاصي تجنبهم أشد الآفات فتكا بالحياة, فكان الذنب في نظر أحدهم اذا ما ارتكبه كجبل أوشك أن يهوي عليه فيسحقه, فما يزال منه على فزع شديد حتى يعلم أن الله غفر له.

وذلكم واحد من شباب الصحابة يقع بصره على عورة امرأة فجأة, فيصرف بصره, وينطلق بعدها الى الجبال هائما على وجهه يخشى على نفسه عذاب النار من هول تلك النظرة التي لم تقصدها عيناه, ثم يحمل ذلك الشاب الى الرسول صلى الله عليه وسلّم محموما من هول التفكير بعاقبة ذنبه حتى يبشّره الرسول بعفو الله عنه, ويعلّمه آية ان قالها غفر الله له, وهي قوله سبحانه:{ ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}.

أيها الاخوة المؤمنون:

اعلموا أن الله تعالى لم يخلقنا ليربح علينا, فهو سبحانه غني عن العالمين, وانما خلقنا لنربح عليه, لذلك نشر رحمته على عباده وجعلها واسعة, فقال:{ ورحمتي وسعت كل شئ}, وجعلها تغلب غضبه بفضله, كما بيّنه رسول الله بقوله:" لما خلق الله الخلق كتب في كتاب, فهو عنده فوق العرش: ان رحمتي تغلب غضبي". ومن رحمته تعالى بعباده أن فتح لهم أبواب رحمته وعفوه ومغفرته ليبادرها المسيئون, فقال عليه الصلاة والسلام:" ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار, ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها".
ونادى المذنب المقبل عليه بتوبته مبشرا اياه بعفوه ومغفرته لذنبه, فقال:" يا ابن آدم, انك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي, يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء, ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي, يا ابن آدم انك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا, ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة".

فمن أخلص في الاقبال على الله تائبا من ذنوبه غفر له ولو كانت ذنوبه مثل زبد البحر, وحسبنا دليلا على ذلك قول ربنا سبحانه:{ ان الله يغفر الذنوب جميعاْ}.

فبادروا يا عباد الله بالتوبة والانابة الى الله, واغتنموا عشر المغفرة في هذا الشهر الكريم بحسن اقبالكم على المولى سبحانه, وأنتم تذكرون قوله الحق:{ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات}.

والحمد لله رب العالمين.




رمضان شهر الحب والوئام


الحمد لله حمدا يلهج به اللسان, والشكر لله شكرا يقرّ به الجنان, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة تستقم على هديها الأركان, وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الانس والجن, اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا في كل آن.

أما بعد: فيا عباد الله, أوصيكم ونفسي المخطئة بتقوى الله, وأحثكم على طاعته وأذكّركم قول الحق:{ يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ان ما يثيره شهر رمضان المبارك في واقع حياة المؤمنين من بواعث الألفة والمحبة والتجاذب والترابط فيما بين قلوبهم وأرواحهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ضروب عبادتهم لله تعالى, يذكّركم بالمعاني الانسانية الرفيعة التي نادى بها الاسلامودعا الى تطبيقها في واقع حياتهم.

يذكّرهم بأخوّتهم الانسانية والايمانية التي أفاضها الله تعالى عليهم نعمة كبرى حيث قال:{ واذكروا نعمت الله عليكم اذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا}.

ويذكّرهم بحقوق هذه الأمّة السامية ومتطلّباتها الانسانية الكريمة من التعاون والتباذل والتناصح والتآلف والتراحم.

ولعلّ الحب في الله يحتلّ قمّة هذه الحقوق, لأنه رباط الايمان الوثيق, وعنصر القوّة الحيّ, ومناط العيش الآمن, ومعدن السعادة الكاملة, وهذا ما أشار اليه سيّد المرسلين عليه الصلاة والسلام بقوله:" لن تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حت تحابّوا ألا أخبركم بشيء اذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".

أيها الاخوة المؤمنون:

اعلموا أن الحب الذي حض الاسلام أن يشيع بين المؤمنين هو ذلك الحب البريء من نزوات الهوى, ورغبات النفس, وشهوات الحياة الدنيا. هو ذلك الحب الذي يثمر في واقع حياة المؤمنين برّ الولد بوالديه, ووفاء الزوجة مع زوجها واخلاصه لها, وأدب التلميذ مع معلّمه, ونصح المؤمن لأخيه المؤمن, وصدقه مع اخوانه المؤمنين, وتواضعه لهم, وتفانيه في سبيل خيرهم وصلاحهم, وتوقير الأمّة لعلمائها واجلالها لهم. ولن نتصوّر مجتمعا انسانيا ينشأ في واقع الحياة قويا متماسكا في بنائه من قاعدته الى قمّته الا يوم يلتقي أفراده على الود, وتجتمع قلوبهم على الألفة والمحبة, فتضمحل من واقع حياتهم الضغائن والأحقاد, وتنعدم في نفوسهم الأنانيّة وحب الذات, ويذوبون جميعا في بوتقة الحب في الله؛ فتلتقي أفراحهم ومسرّاتهم فاذا هي فرحة واحدة تشرق في قلوبهم جميعا, وتتحد أحزانهم وآلامهم, فاذا هي حزن واحد تأسى له قلوبهم جميعا. فيصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم:" مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى".

وجدير بمثل هذا المجتمع الذي قام على أساس الحب في الله ألا تجد بين أفراده مظلوما ولا ظالما, ولا مخذولا ولا خاذلا, لأن ذلك يتنافى مع مقوّمات الحب الصادق الذي يقتضي أن يؤثر الانسان أخاه على نفسه, وأن يكون له عونا في جميع أمره, فلا يتخلى عنه في محنته, ولا يدعه عرضة لجائحات الزمان وغوائل الأيام, ولا يكون سببا في كربه وهمه, ولا عاملا على ايصال الاذى اليه واستيلاء الضر عليه. ولقد رسّخ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم هذا الحب القويم عندما نظفه من حظوظ النفس والهوى, وجعله خالصا لله وحده, فقال:" وأن تحب المرء لا تحبه الا لله". وبيّن مستواه اللائق في ميزان الاسلام, فقال:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه", وكشف النقاب عن واقعه العملي في حياة المؤمنين, فقال:" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".

أيها الاخوة المؤمنين:

ان الحب الذي أراده الاسلام بين المؤمنين ليس مجرّد مشاعر كاذبة وأحاديث فارغة ولا مجرّد كلمات منمّقة وشعارات برّاقة ولا مجرّد نزوة عارضة وستار خادع تختفي وراءه نزوات الهوى وحظوظ النفس. كلا أيها الناس, فهذا حب ساقط لا يورث أصحابه الا النكد والشقاء والشحناء والبغضاء. وأما الحب الذي أراده الاسلام, فهو واقع عملي ينتظم تصرفات المسلم وتصوراته, وتتجالى آثاره في مختلف أنماط سلوكه مع أهله وسائر أفراد مجتمعه على اختلاف منازلهم وأحوالهم.

معشر المؤمنين:

خذوا لانفسكم من سيرة سلفنا الصالح الأسوة الحسنة في ترجمتهم حقيقة ذلك الحب المقدّس الذي جعله الله تعالى الآصرة الطيّبة والوشيجة المحكمة التي تربط ما بينه وبين الصادقين من عباده حيث قال:{ يا أيها الذين ءامنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين}.

وحسبكم أن تقرؤوا في صفحة حياتهم صوزة أبي سليمان الداراني رحمه الله, حين قال: ( لو أن الدنيا كلها في لقمة, ثم جاءني أخ لي لأحببت أن أضعها في فيه), وحين قال: ( اني اذا وضعت اللقمة في فم أخي أجد طعمها في حلقي).

أيها الاخوة المؤمنين:

لا عجب أن يبلغ المتحابون في الله ذلك, لأنهم قد انصهروا في بوتقة ذلك الحب المجيد, فأصبحوا شيئا واحدا.

واقرؤوا ان شئتم توثيقا لذلك جواب محمد بن المنكدر رحمه الله حين سئل: أي العمل أحب اليك؟ فقال: ( ادخال السرور على المؤمن ), وفي صفحة أخرى من حياتهم نقرأ أن أبا مسلم الجيشاني أتى الى أبي أميّة في منزله, فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" اذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه في منزله, فليخبره أنه يحبه", وقد جشت في منزلك لأقول لك اني أحبك في الله.

ونقرأ من صفحات حياتهم أيضا أنه لما حضرت ابن السمّاك الوفاة قال: اللهم اني وان كنت أعصيك, لقد كنت أحب فيك من يطيعك.

أيها الاخوة المؤمنون:

اعملوا في هذا الشهر المبارك على أن تكونوا من المتحابّين في جلال الله سبحانه, وأخلصوا في هذه المحبة بأداء حقها الكامل عليكم, تصبحوا يوم القيامة في ظل عرش الله يوم لا ظل الا ظله:" ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه".

اللهم ألّف بين قلوبنا, وثبّتنا على منهج الحب فيك.

والحمد لله رب العالمين.

يتبع



قديم 06-12-27, 08:33 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


رمضان شهر السموّ الروحي


الحمد لله على نعمائه, والشكر له على آلائه, وأشهد أنه سبحانه المعبود الحق لا شريك له في ملكه ولا في حكمه ولا في عبادته, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله, صلوات الله وسلامه عليه وعلى أله وصحبه ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله, أوصيكم ونفسي المخطئة بتقوى الله, وأحثكم على طاعته وحسن عبادته, وأذكركم بقوله تعالى:{ يا أيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

يأتي رمضان في كل عام لينتشل الغارقين السادرين في مستنقعات الشهوات, الغافلين المنغمسين في أوحال المادّة, ويخلّصهم مما هم فيه من ارتكاس وتخبّط, ويعيدهم عبر قيام ليله وصوم نهاره الى أصالة فطرتهم, وصفاء قلوبهم, وسموّ أرواحهم, معلنا في آفاق وجودهم أنهم لم يخلقوا عبيدا لشهواتهم, وأرقاء لأهواء نفوسهم, وانما خلقوا عبيدا لله وحده لا شريك له الذي أعلن قائلا في كتابه الحق:{ وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون}, والذي أمر الناس فقال:{ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

فمن استنكف عن عبادة الله عز وجل وآثر عليها عبادة الدنيا, فتهالك على شهواتها الخاسرة, وزينتها الفانية, واستحب الفسوق والعصيان على الهداية والايمان لن يجني من ذلك سعادة منشودة, وطمأنينة مقصودة, وانما سيقطف ثمار ذلك شقاء وتعاسة وخيبة وخسرانا. وذلك هو واقع المجتمعات المادّية القابعة في ظلمات الحضيض البهيمي, لا يزال يحدّثنا عن انسانه الذي وقع فريسة شهواته وحب دنياه وملذاته, وحرص على تضخيم جانبه المادي على حساب كيانه الروحي, فانحصر تفكيره وطاقاته, وعواطفه واتجاهاته في دائرة طعامه وشرابه وأمواله ونزواته ولذائذ حياته, فلم يجن ذلك الانسان الذي آثر جسده على روحه, وعبد شهوته دون ربه, لم يجن نتيجة ذلك سوى مرارة الشقاء والنكد, حيث عصفت به ظلمات الشرور وسحقته رحى المادّة, رغم ما أحرزه من تقدّم باهر في مجال العلوم العصرية والاكتشافات العلمية والدراسات الكونية, وتمثل شقاء انسان تلك المجتمعات المادية الخاسرة في أزمات نفسية أخذت تحطم كيانه تحطيما, وأمراض خطيرة راحت تأكل جسده أكلا, ودمار في سلوكه وأخلاقه, وصراع دائم لا يهدأ بين أفراد مجتمعه, وتمزق في أواصره وروابطه الأسرية والاجتماعية والانسانية.

ولا ريب في أن من فقد اتزانه النفسي والفكري والاجتماعي, وارتكس في حضيض المادية الجارفة لا تعرف السعادة سبيلا الى قلبه, ولا يجد الأمن طريقا الى حياته. وليس له في سبيل الخلاص مما هو فيه الا أن يلتفت الى العناية بروحه, وذلك عندما ينطلق بها في معراج عبادة الله عز وجل, ويترقى بها في مدارج طاعته, ويسمو بفكره وقلبه ومشاعره مجتازا حدود الشهوات الرخيصة, والنزوات النفسية الهابطة,ليعيش في رحاب العبودية المطلقة لله رب العالمين ينعم بجلال الخضوع لوجهه الكريم, ويتذوق حلاوة مناجاته في الأسحار, والاقبال عليه في الليل والنهار, ما بين ركوع وسجود, وتضرّع وخضوع, ومناجاة ودموع, يتمثل في واقعه معنى قول رب العالمين في وصف عباده المؤمنين:{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}, وقوله:{ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ينبغي علينا أن نعلم أن انتعاش الجانب الروحي في كيان العبد بطاعة الله تعالى يفضي الى تطهّر جانبه المادي من لوثات الشر والفساد, وبذلك يسمو بشهواته ورغباته وميوله بعد ذلك الا فيما يحب الله سبحانه ويرضى, فيصبح ذلك الانسان مصدرا من مصادر الخير في مجتمعه ومنبعا للطهر والنقاء في سلوكه ومواقفه, وهذا ما يوضحه الحديث القدسي الذي يقول فيه ربّ العزة سبحانه:" وما تقرّب اليّ عبدي بشيء أحب اليّ مما افترضت عليه, ولا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل حتى أحبه, فاذا أحببته, كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبصر فيها, ورجله التي يمشي بها, وان سألني لأعطينّه وان استعاذ بي لأعيذنّه".

فيا عباد الله: اغتنموا فرصة شهر رمضان بالعناية بأرواحكم في ظل طاعة ربكم وحسن الاقبال عليه في قيام الليل وصوم النهار وكثرة ذكر الله وتلاوة القرآن, وتمثلوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق هذا الشهر الكريم حيث قال:" من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه".

واخلعوا عنكم نفوسا رثة بالية غارقة في مستنقعات الشهوات ومهابط العصيان, واستبدلوا بها نفوسا طاهرة زكيّة تعشق طاعة الرحمن وتنبذ الشيطان, وتهفو الى موائد الخير والهداية, وتتلمّس أنسها وطمأنينتها في مناجاة ربّها في الأسحار والخلوة معه في غضون الليل وأوصال النهار, واذكروا قول ربكم سبحانه:{ الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر لبمؤمنين فيا فوز المستغفرين!!..

والحمد لله رب العالمين.





ليلة القدر (فضلها وأثرها)


الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه. والشكر لله على ما أولانا من سابغ نعمه وجميل عرفانه. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن سار على سنّتهم واقتدى بهم الى يوم الدين.

أما بعد: فاني أوصيكم _عباد الله_ بتقوى الله, وأذكركم موعظته بقوله:{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ها هي ليلة القدر تطل علينا في رحاب العشر الأواخر من رمضان. انها من أكرم ليالي الزمان, بل هي في ميزان الله تعالى خير من ألف شهر بأيامها ولياليها, وذلك لما أودع فيها سبحانه من الأسراروالحقائق واللطائف, ولما أنزل فيها على عباده من الخيرات والبركات والرحمات حتى أنزل فيها سورة من خمس آيات قال تعالى:{ وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر}.

تعالوا بنا أيها الاخوة المؤمنون, لنقف في خطبتنا اليوم حيال هذه الليلة المباركة عسى أن يمنّ الله علينا بأن نكون من أهلها والمقبولين عنده فيها.

معشر المؤمنين:

لقد حدد الله تعالى في كتابه الخالد خصائص تلك الليلة وأهمّ صفاتها بدءا من اسمها وانتهاء بطلوع فجرها.

فهي ليلة القدر حيث قال تعالى:{ انا أنزلناه في ليلة القدر}. وما أسبغ الله تعالى هذا الاسم الكريم عليها الا اشعارا بسموّ قدرها ورفعة شأنها عند خالقها القدير, وتنويها بفضلها على سائر أيام وليالي العام, وذلك لما تضمّنته من خصال, واشتملت عليه من صفات لم يحظ به غيرها من ليالي العمر. فهي الليلة الموعودة المشهودة التي تم فيها الاتصال المطلق بين الأرض وبين الملأ الأعلى, وهي الليلة الولود التي بزغت فيها شمس الهدى على الوجود كله, فكانت من العظمة بحيث تفوق حقيقتها حدود الادراك البشري:{ وما أدراك ما ليلة القدر}, فهي ليلة لا حدود لفضلها ولا عدل لها من أيام الزمان ولياليه, فهي خير من ألف شهر بل من آلاف الشهور وآلاف السنين قد مضت عقيما لا تلد شيئا ينتفع به, ولا تطلع على الناس ببارقة من خير يتلقونه منها, فانقضت دون أن تترك في الحياة بعض ما تركته هذه الليلة المباركة من آثار وتحوّلات.

ففيها يفرق كل أمر حكيم, حيث تقوم فيصلا بالقرآن بين الحق الخالد والباطل الزاهق, وتوزن فيها أقدار الناس حسب قربهم وبعدهم من كتاب الله. كما تقدّر فيها الأمور والأحكام والأرزاق والآجال, وما يكون في تلك السنة الى مثل هذه الليلة من السنة المقبلة, ومعنى هذا أن الله يظهر ذلك لملائكته, ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم بأن يكتب لهم ما قدّره لتلك السنة, ويعرّفهم اياه, وليس المراد منه أن يحدثه في تلك الليلة, لأن الله تعالى, قدّر المقادير قبل أن يخلق السموات والأ{ض.

وقد قيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدّر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال بلى. قيل له: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سوق المقادير الى المواقيت. وتنفيذ القضاء المقدّر. فما وضع في تلك الليلة من قيم وأسس وموازين, وقدّر فيها من أقدار الفرد وأقدار الشعوب والأمم, وأقدار الحقائق والأوضاع والقلوب كفيل بأن يسمو بقدر هذه الليلة لتكون الوعاء الذي حمل الرحمة العامّة الى الانسانية كلها, والظرف الذي تنزلت فيه أولى قطرات غيث الهداية العظمى على الحياة.

وقد زاد المولى سبحانه في اعلاء شأنها بين ليالي الزمان, بأن خصّها بكثرة نزول الملائكة فيها, وهبوطهم بشآبيب الرحمة الالهية والبشرى على المؤمنين الذين يغتنمون هذه الليلة بالمثول بين يدي ربّهم ركّعا سجدا, يبتغون فضلا من ربّهم ورضوانا, فتتنزل عليهم ملائكة الرحمة بأمر الله: من العفو والمغفرة للتائبين والمستغفرين , والرضا والقبول للطائعين العابدين, والاستجابة والرحمة للسائلين المتضرّعين:{ وما نتنزل الا بأمر من ربّك}, فيهبط جبريل عليه السلام بكوكبة عظيمة من الملائكة تشريفا وتكريما, يصلّون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل, ويحفون بجموع المؤمنين.

فاذا بهذه الليلة المباركة يتدفق منها سلسال نور الهداية الخالد, فتموج بقلائده, وتفيض به هادئا ساريا رائقا ودودا: نور الله المشرق في قرآنه:{ انا أنزلناه في ليلة القدر}, {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}, ونور الملائكة والروح في غدوّهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى:{ تنزل الملائكة والروح فيها}, ونور الفجر الذي ينسابمتناسقا مع نور الوحي ونور الملائكة, ثم يتناغم هذا النور الالهي الخالد مع أريج السلام الهادئ الذي تنبض به شرايين تلك الليلة المباركة, ويتجلّى ذلك في الطمأنينة التي يسكبها المولى سبحانه في قلوب عباده الذاكرين الآيبين:{ والذين ءامنواوتطمئن قلوبهم بذكر الله, ألا بذكر الله تطمئن القلوب}. كما بتجلى في ذلك الأمن الذي يرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود من عباد الله القائمين الراكعين الساجدين:{ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}. فهي ليلة ولد فيها الأمن والسلام من بدئها الى ختامها:{سلام هي حتى مطلع الفجر}.

أيها الاخوة المؤمنون:

اعلموا أن هذه الليلة المباركة لم تحظ بهذا الشرف العظيم, وبذلك القدر الرفيع والفضل الجليل, وبذلك النور المقدس الدافق في شرايينها, وبتنزل الملائكة فيها, وبالسلام المرفرف هادئا على أهلها بل على الوجود كله في غضون سويعاتها المباركات, الا لأن الله عز وجلّ اختارها من بين ليالي الحياة لتكون موعد نزول القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان.

انه ذلك المنهج الخالد الذي أوضح للعباد صفاء العبودية الحقة لله تعالى, والذي أنزله سبحانه ليكون آخر منهج لحركة حياة الانسان على الأرض ودستور رحلته المقدسة الى يوم الدين حيث انبثقت منه عقيدة وتصور وشريعة وآداب, باتت منهجا واضحا كاملا صالحا لانشاء حياة انسانية طاهرة فاضلة, في كل بيئة وزمان. فكان القرآن مبعث الهداية الى الأقوم:{ ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}, ولا عجب أن تسمو ليلة القدر, وتبلغ من العظمة بأن تكون ليلة النور والأمن والسلام, لأنها ليلة القرآن, والقرآن من مبدئه الى ختامه سلام وأمن كله, ورسالة القرآ، هي الاسلام الذي هو السلام والنجاة لمن أراد لنفسه النجاة والسلام يوم الدين{: يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم}.

فبادروا معشر المؤمنين الى اغتنام ليلة القدر, واجتهدوا في طلبها في هذا العشر الأخير من رمضان, وأكثروا فيها من الدعاء والتضرّع والبكاء, فلقد قال سيّد المرسلين:" من قام ليلة القدر ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه", اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

والحمد لله رب العالمين.

يتبع



قديم 06-12-27, 08:37 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


وداع رمضان


الحمد لله حمد الشاكرين, والشكر لله تعالىلا على كل ما أنعم في كل وقت وحين. وأشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه المبين:{ ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون * نزلا من غفور رحيم}.

وأشهد أن سيدنا محمدا رسوله الأمين, وخاتم الأنبياء والمرسلين. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين, وأصحابه الغرّ الميامين.

أما بعد: فيا عباد الله, أوصيكم ونفسي المخطئة بتقواه, وأحثكم على أن تعبدوه عبادة عبد يعلم أنه يراه, واذكروا قوله تعالى:{ وتزوّدوا فان خير الزاد التقوى, واتقون يا أولي الألباب}.

أيها الاخوة المؤمنون:

ها هو رمضان قد أشرف على الرحيل, ولم يبق منه سوى أيام قليلة, لا يلبث بعدها أن يرتفع الى بارئه سبحانه بأعمال العباد , ليقدّم تقريرا شاملا عن واقع الخلق من خلال مكثه في حياتهم, ينقل فيه جميع ما كان من تصرّفاتهم وأحوالهم في رحابه, فهو وثيقة صادقة تثبت في ميزان العبد يوم القيامة, اما حجة له أو حجة عليه.

فمن أساء لرمضان وأفسد فيه وارتكب المعاصي وانتهك حرمات الله, فان رمضان يقوم حجة عليه يوم القيامة, فيقوده الى النار وسوء المصير, وحسبنا في ذلك تحذير المصطفى عليه الصلاة والسلام حيث قال:{ رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له", وحيث قال:{ الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل". وأمل من أحسن وفادة رمضان, وتأدّب معه, فاجتنب المحرّمات, ولزم الطاعات, وحرص على حضور الجماعات, وفقل الخيرات, وعمل الأعمال الصالحات, واستقام على هدي الله سبحانه, فان رمضان يقوم يوم القيامة حجة له, ويشفع له عند ربه فيقول: "أي رب منعته الطعام والشهوات في النهار فشفعني فيه, فيشفع له", فينطلق هذا العبد الى الجنة حيث تستقبله مزيّنة مزخرفة, فيدخلها مع الصائمين من باب الريّان لا يدخل منه الا الصائمون.

فجدير بك يا أخي المسلم أن تجعل رمضان حجة لك عند الله, وذلك عندما تستعيد في سلوكك وتصوّراتك ومشاعرك المصوّرة الصافية لاسلامك, فتتمثل في أحكام الدين وآدابه في مختلف أوضاع عيشك, وشتى شؤون حياتك, وفي سائر أحوالك, فتذكّر أنك عبد الله, خلقك من عدم, وأنعم عليك بما تستقيم به حياتك, ويستمرّ بفضله وجودك من نعم لا تعد ولا تحصى, قال عنها سبحانه:{ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة}. فمن حق الله عليك أن تعبده ولا تشرك به شيئا, وتستقيم على هديه, وتنفذ أحكام شرعه, وأن توليه حبا تسمو به على مستوى الدنيا وشهوات الأرض, فتؤثر طاعته على كل محبوب سواه, وأنت تذكر قوله حين قال:{ والذين ءامنوا أشد حبا لله}.. وتترجم مفهوم هذا الحب في بذلك في سبيله مبتغيا وجهه الكريم, وأنت تذكر قول الحق:{ الذين ينفقون أموالهم في الليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. وتذكر في غضون ذلك موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه, عندما بذل ماله كله في سبيل الله, فلما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلّم:" ماذا أبقيت لأهلك" أجاب " أبقيت لهم الله ورسوله".

وتترجم هذا الحب الخالص لربك في قيلمك الليل وهجرك النوم وكثرة اقبالك على الله في دعائك وبكائك وتضرّعك ورجائك, ذاكرا قوله سبحانه وتعالى في وصف عباده الصالحين:{ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}, وذاكرا في غضون ذلك تلك الصورة الرائعة لواقع العبد المقبل على الله في شخص النبي عليه الصلاة والسلام, كما روى لنا عطاء بن أبي رباح عندما سأل أم المؤمنين عائشة عن أعجب ما رأت من رسول اللهصلى الله عليه وسلم فقالت:" وأي شأنه لم يكن عجبا, انه أتاني ليلة فدخل معي لحافي, ثم قال:" ذريني أتعبّد لربي", فقالم وتوضأ, ثم قام يصلي, فبكى حتى سالت دموعه على صدره, ثم ركع فبكى, ثم اعتدل فبكى, ثم سجد فبكى, ثم رفع رأسه فبكى, فلم يزل كذلك حتى جاء بلال يؤذنه بالصلاة, فقلت: يا رسول الله, وما يبكيك, وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ قال:" أفلا أكون عبدا شكورا؟! ولم لا أفعل وقد أنزل الله علي هذه الليلة :{ ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب}.

وتترجم هذا الحب الخالص لله برفضك زخارف العيش ولهو الحياة, واعراضك عن طغيان المادة وسلطان الشهوات, ذاكرا قول الله رب العالمين:{ زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث, ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب}, وتذكر في غضون ذلك حال الرسول مع الدنيا واعراضهعن زينتها الفانية وقوله:" ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا الا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها",كما تذكر حال أصحابه وسلفنا الصالح في نبذهم للمتاع الزائل, وايثارهم ما عند الله على كل شهوات الحياة.

وتترجم هذا الحب الخالص لله برفض المعصية والاعراض عن المنكر ومحاربة الرذيلة, وأن تجعل بينك وبين المحرمات حاجزا من تقوى الله وسدا من مراقبته, وأن تذكر كلام سيد المرسلين لأحد أصحابه:" اتق المحارم تكن أعبد الناس ", وتذكر في غضون ذلك أحوال السابقين في رفضهم للمنكر وحفظهم جوارحهم من المعاصي وتمثلهم في سلوكهم وتصوراتهم مفهوم التقوى الحق الذي أشار اليه سبحانه بقوله:{ يا أ]ها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن الا وأنتم مسلمون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

الزموا الحب الخالص لربكم باستقامتكم على هديه, وتزوّدوا في رمضان بقوّة من الايمان ورصيد من تقوى الرحمن ما يمكنكم من الصمود في وجه العدو الذي يتربص بكم بعد رمضان, انها الفتن والشهوات والدنيا والفساد, وتجنبوا أن تهدموا بعد رمضان ما بنيتموه فيه من الطاعة والاستقامة على منهج الله, واثبتوا على هدي قوله سبحانه:{ ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون * نزلا من غفور رحيم}. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.





من أسرار فريضة الحج


الحمد لله رب العالمين, والشكر له سبحانه على ما أولا نا من نعم أعلاها وذروة سنامها الايمان والدين. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه المبين:{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}. وأشهد أ، سيدنا محمد عبده ورسوله امام الأنبياء والمرسلين, صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه الغرّ الميامين.

أما بعد: فيا معشر المؤمنين, اتقوا الله واستقيموا على هداه, واذكروا قوله في محكم التنزيل:{ وتزوّدوا فان خير الزاد التقوى, واتقون يا أولي الألباب}.

أيها الاخوة المؤمنون:

في مثل هذه الأيام تتهج مشاعر المؤمنين ويشتد حنينهم الى البيت العتيق الذي جعله الله تعالى مثابة للناس وأمنا, فتحرّك جموعهم الغفيرة من شتى بقاع الأرض متجهة الى المسجد الحرام, ليشهدوا أعظم مظهر عبادي عرفته الحياة, وأضخم وحدة روحية شهدها الوجود..

أجل أيها المؤمنون:

انها فريضة الحج التي يجسد المسلم بأدائها في أعماقه وسلوكه واقع العبودية الخالصة لربه, ويترجم مفهوم الاستجابة المطلقة لخالقه سبحانه في أوامره ونواهيه, ويوليه غاية الحب وصادق التذلل والخضوع لوجهه الكريم, فهو مدخل رحب الى طاعة الله تعالى ومسعى كريم الى القرب منه والتعرّض لرحمته ورضوانه, لهذا عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال:" ايمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال:" جهاد في سبيل الله" قيل ثم ماذا؟ قال:" حج مبرور".

فاعلم أيها المسلم أن الحج عبادة ترتقي بالمؤمن الى أعلى منازل الايمان وأسمى مراتبه, وتنطلق به في مضمار جهاد لا قتال فيه.

واعلم أيها المسلم أن الحج عبادة تفضي بالعبد الى المغفرة من الذنوب, وتخلصه من ماض تراكمت فيه الأوزار, وتفاقمت فيه الشرور والآثام والخطايا التي تنوء بها الجبال, فيرجع بذلك العبد الى أهله بعد أداء حجة طاهر القلب, زكي النفس, مشرق الروح, نقي الوجدان, نظيف الظاهر والباطن من الذنوب, مستقيما على هدي الفطرة, كما قال عليه الصلاة والسلام:" من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".

فالحج يامعشر المؤمنين محرقة للذنوب, ومطهرة للقلوب, وفي ذلك قال رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه:" تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة, وليس للحج المبرور ثواب الا الجنّة".

أيها الاخوة المؤمنون تعالوا بنا الى عمق هذه الفريضة العظيمة, لنتعرّف في هذه الخطبة الى بعض أسرارها وحقائقها, فلقد أودع الله تعالى في مناسك الحج أعظم مظاهر التقديس وأجلى آيات التوحيد في الطواف حول البيت العتيق يتجلى معنى الالتفاف حول كلمة التوحيد والدوران حول قطب الايمان, لأن الكعبة هي علم الله المركوز في أرضه الذي يرمز الى وحدانيته, فيجتمع حوله المسلمون ليعلنوا توحيدهم لله ونبذهم لكل صور الشرك ومظاهر الوثنية, قال تعالى:{ واذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}, وقال:{ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس}.

وفي استلام الحجر الأسود يتمثل المسلم تلك البيعة المقدّسة لرب الأرض والسماء على العمل والايمان والتصديق والوفاء, اذ يرمز الحجر الى يمين الله في الأرض كما جاء في الحديث:" وهويمين الله عز وجل يصافح بها خلقه" (رواه الطبراني), فمن استلمه وقبّله وانما يعلن بيعته لربه حيث يقول المسلم عند استلامه:" اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيّك".

اذن ان المسلم يعلن عند استلامه الحجر ايمانا بالله لا بالحجر, ووفاءه بالتوحيد الخالص لا بالشرك, واتباعه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا للأصنام والأوثان. فلا شرك ولا وثنية ولا خرافة في شعائر الاسلام, وانما هي طاعة وعبادة وتوحيد لله رب العالمين, لهذا وجدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما استلم الحجر خاطبه قائلا:" أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع, ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك", ثم بكى حتى سالت دموعه على لحيته وقال:" هنا تسكب العبرات, هنا تستجاب الدعوات".

وفي السعي بين الصفا والمروة يتجلى معنى التردد بين علمي الرحمة التماسا للمغفرة والرضوان. وفي الوقوف بعرفة يتجلى معنى البذل والمهج في الضراعة بقلوب مملوءة بالخشية, وأيد مرفوعة بالرجاء, وألسنة مشغولة بالدعاء, وعيون فيّاضة بالبكاء. وفي رمي الجمار تجسيد مادي لمعنى طرد الشيطان ونبذ وسوساته من أعماق النفس, ومقت لعوامل الشر ونزغات الشر والهوى, واعلان للتحرر من همزات االشيطان ومختلف صور المنكر والباطل والعصيان. فالحج في جميع مناسكه تجسيد عملي لمعنى التوحيد المطلق لرب العالمين الذي أشار اليه بقوله الحق:{ واذ بوّأنا لابراهيم مكان البيت أ، لا تشرك بي شيئا وطهّر بيتي للطائفين والقائمين والرّكّع السجود}.

أيها الاخوة المؤمنون:

هذا غيض من فيوضات أسرار فريضة الحج, فبادروا الى أدائها, وأخلصوا في تنفيذها, فلقد قال سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام:" وليس للحجة المبرورة ثواب الا الجنّة".

اللهم وفقنا لأداء عبادتك ولزوم منهج طاعتك على الوجه الذي يرضيك عنا.

والحمد لله رب العالمين.


يتبع



قديم 06-12-27, 08:41 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي


الحج.. معقل الوحدة الروحية



الحمد لله على جزيل فضله وكرمه, والشكر له سبحانه على سابغ جوده ونعمه, وأشهد أن لا اله الا الهه وحده لا شريك له القائل في محكم تنزيله:{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله, صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد.. فيا عباد الله, اتقوا الله حق تقواه, وراقبوه في سركم وفي علانيتكم واذكروا قوله الحق:{ واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}.

أيها الاخوة المؤمنون:

لقد فاضت فريضة الحج بالأسرار والأنوار, وتدفق من مناسكها سلسال الهداية يروي قلوبا ظامئة وأرواحا متعطشة الى معرفة الله وحسن الصلة به على هدي منهجه القويم الذي ارتضاه لعباده حيث قال:{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا}.

وفي خطبتنا اليوم سوف نلتقي بعض أسرار هذه الفريضة لقاء نتعرّف ممن خلاله على ما تركته من أثر بالغ في حياة الأمة الاسلامية الممتدة على وجه البسيطة.

معشر الاخوة المؤمنين:

ان أبرز وأهم حقيقة تكشف عنها فريضة الحج تلك الوحدة الروحية الشاملة التي تجمع في كنفها المسلمين المنتشرين على وجه الأؤض, فتعصف هذه الوحدة بأسباب فرقتهم, وتعيد صياغة أمتهم الاسلامية من جديد صياغة تنصهر فيها مشاعرهم وأفكارهم, فاذا هي شعور واحد, وفكر واحد, وكيان واحد, كأنهم الجسد المتلاحم المترابط لا فرق بين عربي وعجمي, وأبيض وأسود, وصغير وكبير, وذكر وأنثى, وغني وفقير, وسيد ومسود, فتزول فوارق اللون والجنس واللسان والمادة بينهم جميعا, وب\يشعرون أن كل واحد منهم جزء من بناء أمة واحد صاغتها عقيدة التوحيد.

أيها الاخوة المؤمنون:

هذه الحقيقة الجليلة التي تفيض بها فريضة الحج تعدّ من أهم حقائق الاسلام الذي جاء ليجمع كلمة البشر تحت راية التوحيد, فيكونون أمة واحدة, لأن محمدا عليه الصلاة والسلام حمل رسالة الاسلام للبشرية كلها منذ انبثاق فجره الى قيام الساعة, وهذا ما أشار اليه ربنا تعالى بقوله:{ وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا},

واستطاع عليه الصلاة والسلام خلال مسيرة دعوته الخالدة أن يخرج البشرية من دوّامة تمزقها وضعفها وصراعها وضياعها وانحطاطها, ويستخرج منها خير أمة أخرجت للناس تجتمع كلمتها على الحق والايمان وتلتقي قلوبها على الود والعرفان. وانطلقت تلك الأمة بعد ذلك لتكتب أروع صفحات المجد في تاريخ البشرية, وتبني أعظم صرح حضاريّ عرفته الحياة, فاض بالعلم والهداية والحق والخير, والعزة والانتصار.

أيها الاخوة المؤمنون:

وشاء المولى سبحانه أن تتنزل على هذه الأمة الاسلامية فريضة تحقق وحدتها الروحية لتصون بها وحدتها الجسدية, فكانت فريضة الحج ذات البعد السامي والعميق في ترسيخ دعائم تلك الوحدة الاسلامية. حيث ينطلق المسلم في موسمها في كل عام يتخطى حدود بلاده ليصل الى البقعة التي ضمّت قبلة الاسلام, وجعلها الله المحور الذ تلتف حوله أقطار الأمة المسلمة من كل جانب, والقطب الروحي الذي تنجذب اليه أفئدة المؤمنين من كل فج عميق. فيلتقي المسلم الحاج بالأمة الاسلامية برمتها لقاء توحيديا شاملا يحس فيه بقربه الروحي والجسدي من كل مسلم في أية بقعة كان من بقاع المعمورة, بل يشعر بذوبانه في بحر التجمّع الاسلامي الكبير الذي تشهده الحياة في كل عام في أشهر معلومات وأيام معدودات.

أيها الاخوة المؤمنون:

يجب علينا أن نشعر بعمق تلك الوحدة الروحية الشاملة في حياتنا, فنتحسس من خلالها آلام المضطهدين والمعذبين من المسلمين في شرق الأرض وغربها حيث يسامون على أيدي أعداء الله ألوان العذاب والتنكيل, وما قضيّة فلسطين بسر, التي تي\ستصرخ مع كل قطرة دم تراق من أبنائها ضمائر المسلمين: أن هبوا لنجدتي, فقد استحرّ القتل في أبنائي, وهتك عرض بناتي, وتكسّرت راياتي.

أيها المسلمون لا يليق بنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام ما يجري على الساحة العالمية من ذبح للمسلمين وهتك لاعراضهم واذلال لهم, ننظر نظرة الخائفين.. بل علينا أن ننهض بعزيمة صادقة متكاتفين, فنقف وقفة رجل واحد ضد أعداء الله حصنا لدمائنا وصونا لأعراضنا وحماية لذمارنا, ونحن نذكر قول الله تعالى:{ انما المؤمنون اخوة}, وقوله:{ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}, وقوله عليه الصلاة والسلام:" المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا".

والحمد لله رب العالمين.



الحج مدرسة الأخلاق الانسانية الكريمة



الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه, والشكر له سبحانه على سابغ نعمه وجميل غفرانه, وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله خير نبي اصطفاه ورحمة للعالمين أظهره بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون, اللهم صل وسلم وبارك على سيد الأنبياء والأولياء محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فيا عباد الله, اتقوا الله ما استطعتم, واستكثروا من طاعته, وتحلّوا بشمائل دينه وشريعته, واذكروا قوله المبين:{ يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.

أيها الاخوة المؤمنون:

تعدّ فريضة الحج أعظم مدرسة تربي في المسلم كل خلق كريم وأدب رفيع, وتصبغ أقواله وأفعاله بخصال البر والخير والمعروف. حيث يجد نفسه في وسط تجمّع بشري هائل قد تعددت أجناسه وألوانه وألسنته, واختلفت مزاجاته وطباعه وطرائق عيشه تبعا لاختلاف بيئاته وتنائي بلاده, فلا بد للمسلم من أن يتحلى بالأخلاق الانسانية العالية التي تنهض به الى مستوى حسن التعامل مع هذا العدد الكبير من المسلمين, ولقد أشار سبحانه الى بعض سمات المنهج الاخلاقي الذي يلتزمه المسلم في سلوكه مع اخوانه المسلمين أثناء أدائه فريضة الحج, فقال جلّ ذكره:{ الحج أشهر معلومات, فمن فرض فيهن فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج, وما تفعلوا من خير يعلمه الله, وتزوّدوا فان خير الزاد التقوى, واتقون يا أولي الألباب}.

أيها الاخوة المؤمنون:

اذا كان يجب على المسلم أن يتحلى بمكارم الأخلاق وحميد الخصال في مسيرة حياته مع الناس, فان واجبه في التحلي بذلك آكد في مواطن العبادة, وحيث يعدّ الحج الى بيت الله الحرام أعظم تجمّع عبادي عرفته الحياة, فانه ينبغي أن يكون للمسلم في سلوكه ومواقفه خلال مناسكه وفي أجوائه صورة صادقة للنظام الأخلاقي الرفيع الذي جاء به دين الاسلام, والذي ينبثق من مشكاة القرآن وهدي سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام, فيتمثل المسلم هدي الله تعالى في قوله:{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}, وفي قوله:{ ومن أحسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وقال انني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم}, وفي قوله:{ يا أيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خير منهم ولا نساء من نساء عسن أ، يكن خيرا منهن, ولا تنابزوا بالألقاب, بئس الاسم الافسوق بعد الايمان}, وفي قوله:{ ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}, وفي قوله:{ انما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم, واتقوا الله لعلكم ترحمون}.

ويتمثل هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله:" أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله", وفي قوله:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده", وفي قوله:" الكلمة الطيبة صدقة", وفي قوله:" البسمة في وجه أخيك صدقة", وفي قوله:" أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا", وفي قوله:" رحم الله عبدا سمحا اذا باع, سمحا اذا اشترى, سمحا اذا قضى, سمحا اذا اقتضى", وفي قوله:" وما زاد الله عبدا بعفو الا عزا, وما تواضع لله أحد الا رفعه الله".

أيها الاخوة المؤمنون:

ان هذه النصوص الشرعية وغيرها تحدد لنا أهم ملامح وسمات النظام الأخلاقي في الاسلام وتبين أبرز الصفات والأخلاق الانسانية الرفيعة التي تحقق للانسان السعادة والطمأنينة في حياته مع الناس, وتضمن له الفوز والرضا من ربه تعالى في الآخرة.

ويجب على المسلم أن يعلم أن المنهج الأخلاقي الاسلامي لا يتجزأ, فكل خلق جاء به الاسلام ينير جزءا من حياة المسلم, فلا يمكن له أن يستغني عن ذلك الخلق بغيره لصلاح ذلك الجزء من حياته, فشمولية المنهج الأخلاقي في الاسلام من حيث تطبيقه تتوافق مع شمولية الحياة الانسانية, فكما أننا لا نتصور أن ينفصل الانسان عن جزء من حياته, فكذلك يجب أن لا يترك شيئا من مجموع أخلاق ذلك المنهج الاسلامي.


يتبع



قديم 06-12-27, 08:43 AM منتديات يمن المحبة
مـؤســس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2006
الدولة: مملكة البحــــــــريــن
المشاركات: 9,951
عــــــلاو غير متواجد حالياً
افتراضي

أيها الاخوة المؤمنون:

حيث لا يسعفنا ضيق وقت خطبتنا هذه عن جميع مظاهر النظام الأخلاقي في الاسلام, اسمحوا لي أن أتحدث اليكم عن أهم ما ينبغي أن يتحلى به المسلم في حجه من أخلاق ذلك المنهج الاهي, وعلى التحديد أتحدث عن ثلاثة أخلاق كريمة هي: التواضع, والحلم, والكلمة الطيّبة.

معشر المؤمنين يجب على المسلم في الحج أن يكون أكثر مراقبة لله تعالى في سلوكه ومعاملته لاخوانه المسلمين الذين توافدوا من بقاع شتى الى بيت الله الحرام, فليتجنب التعالي على أحد منهم حيث يجد منهم الفقراء البسطاء, وليحذر من التأفف والنفور من مظهر بعض المرضى والعاجزين والمتخلفين في معاشهم, فلا يظهر تقززه من طريقة أكلهم وشربهم ونظافتهم ورثاثة حالهم, فاذا أحس بشئ من الترفع في نفسه عليهم فليذكر أنه في مقام الخضوع المطلق لله تعالى, وأن دنياه وأمواله لا وزن لها عند الله الذي يقول في كتابه:{ ان أكرمكم عند الله أتقاكم}.

وليعلم أن التواضع وخفض الجناح للمؤمنين من صفات الصادقين مع الله الذين يحبهم ويحبونه والذين حدّث سبحانه وتعالى عنهم في كتابه الخالد فقال:{ يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين}, وليذكر كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه وقد اجتمعوا عنده وكأنهم جسد واحد, فيقرّب منه بلالا ويدني عمار, ويبتسم في وجه سلمان, ويعلّم المسلمين أن يتواضعوا لبعضهم, وأن يتحابوا في الله, ويقرأ عليهم أن الله تعالى أمره بخفض الجناح للمؤمنين في قوله:{ واخفض جناحك للمؤمنين}

وليذكر أنه يستوي مع سائر المسلمين في العبودية لله تعالى, وأنه تعالى لا ينظر الى الظاهر, وانما ينظر الى الباطن, وفي ذلك قال عليه الصلاة والاسلام:" ان الله لا ينظر الى أجسامكم ولا الى صوركم ولكن ينظر الى قلوبكم, التقوى ههنا وأشار الى صدره".

وأما من اغتر بما له, واعتدّ بجاهه وحول التميز عن الناس, فهو بغيض الله لأنه اتصف بآفة الكبر, وقد جاء في الحديث:" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

فيجب على المسلم في حجه أن يلزم التواضع خلقا لا يحيد عنه في معاملة المسلمين, فيعمل على خدمتهم طمعا بما عند الله من أجر ومثوبة, وعليه أ، يعلم أ، من تعزز على خدمة اخوانه أورثه الله ذلا لا انفكاك له منه أبدا, ومن خدم اخوانه أعطي من خالص أعمالهم.

وتواضع الحاج المسلم لاخوانه الحجاج عنوانه لقبوله عند الله تعالى, لأنه من علامات التقوى, وقد قال سبحانه:{ انما يتقبل الله من المتقين}.

ويجب على المسلم في حجه أ، يتحلى بالحلم والأناة, لأنهما خلقان يحبهما الله ورسوله, وليتجنب الغضب لأنه من الشيطان, وليحذر كل الحذر من أسباب العداوة والبغضاء والخصام, فاذا حدث بينه وبين اخوانه شئ يغيظه, فليتذكر أنه في عبادة لا تقبل المعصية, وأن الغضب والشجار والسب والشتم لا يرضى به الاسلام, فعليه أن يضبط لسانه ملازما الكلمة الطيّبة المصلحة التي تحافظ على صفاء القلوب وطهارتها على المؤمنين, وليذكر موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابي الذي جبذه من برده وقال: يا محمد, أعطني من مال الله, فانك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك, فقال عليه الصلاة والسلام:" المال مال الله وأنا عبده ورسوله", ولم يغضب ولم ينهر ذلك الأعرابي لما فعله به. وليذكر سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنهما عندما وقف رجل على مجلسه يشتمه, ويسيء اليه القول, فقال لأحد أصحابه: أنظر هذا ان كان له حاجة فاقضها له, فاستحى الرجل وخجل من نفسه.

وفي ظل طيّب الكلام, على المسلم الحاج أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فحّلشا ولا متفحّشا ولا صخابا في الأسواق, بل كان ليّن الكلام مع أصحابه, وكان يبتسم لهم كلما رأى واحدا منهم, وكان سلوكه في خطابهم ومعاملتهم واقع هدي قوله تعالى:{ فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}.

أيها الاخوة المؤمنون:

واعلموا أن القلوب لا تتآلف والنفوس لا تتواءم الا في ظل حسن الخلق.. فالزموا دينكم الحنيف في ذلك, واستقيموا على منهجه الأخلاقي القويم, وخذوا لأنفسكم من فريضة الحج منطلقا الى حياة نظيفة آمنة, تفيض بالأخلاق الكريمة والشمائل الزكية والصفات الحسنة التي تزيد المؤمنين ترابطا وتآلفا في ظل دين الله القويم.

والحمد لله رب العالمين.



الحج دوحة الذكريات


الحمد لله الذي هدانا الى الاسلام. والشكر له سبحانه على سابغ الفضل والانعام. وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له القائل في المصحف الامام:{ ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين * فيه ءايات بيّنات مقام ابراهيم, ومن دخله كان آمنا}, وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الى جميع الأنام. اللهم صل وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه الكرام.

أما بعد: فيا عباد الله, اتقوا الله وكونوا مع الصادقين, والزموا طاعته وتجنبوا معصيته تسلموا يوم الدين.

أيها الاخوة المؤمنون:

كلما أطل هلال شوّال اهتزت قلوب المسلمين شوقا, وفاضت مشاعرهم حنينا الى زيارة المسجد الحرام والمثول بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته المنوّرة وأمام حجرته الشريفة في مسجده النبوي الطاهر. أجل أيها الاخوة المؤمنون: انها فريضة الحج التي تضمّنت بمناسكها ومشاعرها فيوضات من الأسرار والمعاني التي تزيد العبد ايمانا ويقينا وصلة صادقة بالله رب العالمين.

فيعيش المسلمون أجواءها أنوارا تتسامى بقلوبهم الى مقام العبودية الخالصة لربهم تبارك وتعالى.

وفي خطبتنا اليوم سوف نلتقي _اخوة الايمان_بعض المعاني والأسرار التي تنبثق من مشكاة هذه الفريضة العظيمة. وأجدني مشدودا الى الحديث عن الذكريات الرائعة التي تفيض بها وقائع هذه العبادة الجليلة, حيث تجري في بقعة مختارة من الأرض تحمل في كل ذرة من ذرات ترابها, وفي كل حصاة من حصبائها قبسا من ذكريات الدعوة الاسلامية في ابانها والى امتدادها وانتشارها.

هل تعلمون أيها الاخوة المؤمنون ما هي تلك البقعة من الأرض؟ انها مكة (أم القرى) مهد الرسالة المحمدية ومنطلقها الأوّل التي اختارها الله سبحانه لتكون قبلة المسلمين في صلاتهم حيث احتضنت بيت الله الحرام, وحسبنا اشارة الى ذلك قوله عز وجل:{ قد نرى تقلّب وجهك في السماء, فلنولينّك قبلة ترضاها, فولّ وجهك شطر المسجد الحرام, وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره}.

فاذا بالمسلم الحاج عندما تطأ قدماه تلك البقعة المقدسة يتمثل بين عينيه تاريخ المسلمين في ابّان دعوته, وتتوارد على خاطره ذكريات المسلمين الذين جاهدوا في الله حق جهاده, وضحّوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل دينه.. فيذكر صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر أصحابه الكرام في سبيل تبليغ دعوة الاسلام. فاذا وقعت عيناه على أنوار الكعبة المشرّفة ذكر طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم حولها وسجوده في فنائها ومحاولات المشركين قتله وايذائه وهو ساجد في جوار البيت العتيق. فيذكر في غضون ذلك عندما حمل أبو جهل حجرا عظيما وأقبل نحو رسول الله وهو ساجد في صلاته ليرضخ رأسه الشريف بذلك الحجر, حتى اذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه من الفزع, ورمى حجره من يده, فقام اليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت اليه لأفعل ما قلت لكم _أي قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم_ فلما دنوت منه عرض لي فحل من الابل, والله ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني, فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ذاك جبريل ولو دنا لأخذه".

واذا مسّت قدماه حرّ الرمل والحصى, تذكّر أن هذه الرمال الحارّة اللاذعة طالما انكوى بها جسد سيدنا بلال رضي الله عنه عندما كان يعمد اليه أميّة بن خلف الجمحي اذا حميت الشمس وقت الظهيرة, فيلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره, ويقول: ( لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد, وتعبد اللات والعزى), فكان بلال رضي الله عنه يقول تحت وطأة ذلك التعذيب الشديد: أحد أحد لا أشرك بربي أحد.

واذا سمع الحاج صوت المؤذن يصدع بكلمة التوحيد في أرجاء مكة يملأ صداه الآفاق, تذكّر يوم الفتح يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم مكة, فعمد الى الأصنام والأوثان فحطّمها, وطهّر البيت الحرام من رجسها, وهو يقول:" جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا", فنكّست راية الشرك, وارتفعت راية التوحيد, وصعد بلال رضي الله عنه ظهر الكعبة المشرّفة يجلجل صوته بكلمات التوحيد في أذان الاسلام, يملأ أسماع الناس وقلوبهم, وتردد الجبال والوديان والحجر والشجر مع صوته الهادر "الله أكبر الله أكبر". فاذا بهذه الذكريات المقدّسة تفجر بأعماق المسلم ينابع الحب الخالص لله ولرسوله ولدينه الحق, فيرجع الى أهله ووطنه يستشعر معنى هذه الذكريات وأثرها البالغ في أعماقه في قوة ايمانه وثباته على دينه واستقامته.

أيها الاخوة المؤمنون:

جدير بنا أن نجعل هذه الذكريات منطلقا الى حياة راشدة, وعزة شامخة, وانتصارات محققة في معترك قضايانا المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين. وايم الله لا يصلح آخر هذه الأمة الا بما صلح به أولها, فالزموها كلمة حق تنطلق بكم الى أمل منشود, ونضر مقصود, وعز مشهود, وسعادة أبدية. جعلني الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

والحمد لله رب العالمين.

يتبع



إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

All times are GMT +3. The time now is 11:58 PM.


Powered by: vBulletin
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
ألآراء الواردة في المنتدى لا تعبر إلا عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى
جميع الحقوق محفوظه لشبكة منتديات يمـــن المحبــــة

a.d - i.s.s.w

الصفحة الرئيسية | القـرآن الكريم | حملة الدفاع عن أمنا عائشة | الصوتيات الإسلامية | الصوتيات اليمنية | المسلسلات اليمنية | الطب البديل | برامج الكومبيوتر والانترنت | دروس الفوتوشوب والفلاش | يمن المحبة